عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

262

خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )

وقالت نملة : القلب لرعايا الخواطر عند انتشار عساكر سلطان الجلال واستيلاء جيوش ملك الكمال : يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ [ النمل : 18 ] ، فبدت أضواء القرب ، وانبسطت أشعة الدنو ، ومد رواق اللقاء ، وفرش بساط الحضرة على أرائك بساط القدس ، وعقد مجلس الخلوة تحت لواء الملك في أرض المشاهدة ، ونصبت أسرة الخلوة بين سرادقات الجمال في حرم الأمن ، وانتظم حال العشاق ، واجتمع المحب مع المحبوب ، ودارت كئوس شراب الشارب في أقداح الأفراح ، وعطر الوقت ، وسعد البخت ، وارتفع المقت ، وتجلّت أسرار غيب القدم من بين أكناف مسالك أوصاف الأزل . يا لها من مسالك دقت فضلّ الوهم دهشا عن معرفة كيفيتها ، ومعان راقت فضاعت هواجس الفكر في علم ماهيتها ، وهي كالبروق اللامعة تخطف الخواطر من عين الأبد ، وبالشموس طالعة في مدارات بروج الحال ربانية ، قد تاهت البروق ، وتجلّت عن درها وميضا وغموضا ، تجلّت الشموس عند طيرها تلويحا وتعريفا حين أسفرت يد الإرادة لأبصار خطابها على جبين جمالها نقاب الحجاب ، وبعثتها من شط الأزل على سرائر الاستجلاء على استهزاز عشاق الطلاب ، وأظهرها اللوح النوري من أقاصي مكانها وأدانيها ، فكشف الوصل الوجداني نعوت معاليها ومعانيها ، وغامرت لحظات جمالها صبابات التواقين المشتاقين ، وغازلت بنظرات سجايا حيرة الشاخصين العارفين ، فلما قدموا النظر جلاها وحضرة المشاهدة بها اهتزّ تاج جمالها في مجلس كمالها ، فنثر على رؤوسهم جواهر القبول ، ودرر الرضوان ، ثم توارت بأستار العزة ورداء الكبرياء وإزار العظمة ، فطفقت القلوب وجدا واشتياقا ، وهامت الأرواح عطشا واحتراقا ، وتمايلت أغصان الغرام تغازل نسيم الوجد ، وتناثرت أوراق الصبر تشكو قلق الفراق ، تاركا نسيم الأرواح جد في طلب هذه المنازل ، وبإجابة القبول الشرعي إلى سبيل هذه الدرجات ، وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [ التوبة : 105 ] « 1 » .

--> ( 1 ) انظر : بهجة الأسرار ( 89 ) .